متكئة الى الحائط من شدة التعب. يمسك يدها طفل في الثامنة تقريباً. الاستياء بادِِ من ملامحها، وعيناها تترقبان بغضب وكل جزء من كيانها ينفر ويعكس تمرد النفس ورفض الواقع. جمعنا مركز الامن العام في طابور الانتظار الذي اعتداده اللبنانيون كنت اقف خلفها وارى ابنها يتأفف ويطالبها بأن تحمله وقد أرهقه الانتظار . قمت بملاطفة الصبي عله يهدأ وهكذا نظرت لي هذه الأم وابتسمت شاكرة مساهمتي بمساعدتها ثم تنهدت قائلة "لا شيء أصعب من الشعور بأنك غريب في وطنك “.. وهكذا بدأت اتعرف الى إحدى ضحايا نظامنا المهترئ وسألتها عن مشكلتها فأخبرتني: كنت متزوجة من رجل يحمل الجنسية الهولندية ومنذ سنتين توفي بحادث سير واضطرت للعودة والعيش في الوطن الى جانب أهلي واحضرت ابني معي. وهكذا بدأت معاناتي، الدولة تعتبره غريب وهو يعشق لبنان أكثر مني او حتى أكثر من أي لبناني ولد وعاش وأقام في البلد. كما انه يتقن اللغة العربية باللهجة اللبنانية ويكتب بالفصحى أفضل من أولاد خاله اللبنانيين.".

هذا الموقف كان بمثابة صفعة لي. في ثوانٍ اكتشفت مدى الالام التي تعاني منها الامرأة اللبنانية المحرومة من حق منح أولادها الجنسية وأيقنت الحقيقة بان كافة الجهود والمبادرات والحملات التي قام بها المجتمع الدولي والمنظمات الدولية بالتعاون مع الجمعيات المحلية والمجتمع المدني على مدار عقود، لم تجدِ نفعاً. حتى ان الشرائع والاتفاقيات الدولية التي أبدى لبنان التزامه بها، أكان الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 او اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 اللتان تنصان على حق النساء في منح جنسياتهن لأزواجهن وأولادهن  بقيت حبراً على ورق. بالإضافة الي ذلك وخلافاً للدستور الذي يكرّس المساواة بين جميع أبناء الوطن دون تمييز او تفضيل. ان القانون اللبناني المتعلق بهذا الموضوع يحرم المرأة من هذا الحق ويحدد بأن اللبناني هو فقط” من ولد من أب لبناني" .

امام هذا المشهد من عدم المساواة والتفرقة، كان لا بد من التساؤل كيف للمنطق والعدل ان يسمحا للرجل اللبناني منح الجنسية الى غير لبنانية بموجب عقد زواج وهو رابط من الممكن ان يفسخ و بالتالي يسقط في أي وقت، ولا يسمح لامرأة لبنانية ان تمنح طفلها جنسيتها بموجب رابط الدم علماً بأن رابط الدم لا مجال لإلغائه، مع الإشارة بأنه لطالما كان و مازال المعيار الأساسي الذي استندت اليه كثير من القوانين والتشريعات في الأحوال الشخصية.

كما اود التنويه في هذا المجال الى ان صلة الدم وصلة العاطفة بين الوالدة والطفل متينة وقوية لدرجة ان اللغة الأولى التي يتعلمها كل انسان تسمى "بلغة الام" وليس بلغة الاب كما انها تعرف ايضاً بلغة الشريانية نسبة الى شرايين الدم مصدر الحياة الحيوي.

ولكن بالرغم من كافة العوامل التي ذكرتها والتي تصب في مصلحة منح الجنسية لعائلات السيدات اللبنانيات المتزوجات من غير لبنانيين مازال هذا الملف في الادراج وطرحه من المحرمات. والسبب المعلن هو ارتباطه المباشر بموضوع التوطين الفلسطيني والسوري حيث ان المخاوف تكمن في عدد اللبنانيات المتزوجات من فلسطينيين او سوريين وبالتالي يخدم ملف التوطين وهو ملف حساس جداً وبغاية الأهمية ومرفوض لدى العديد من الشرائح اللبنانية لأنه يغير بالديمغرافية الوطنية حسب اقوالهم وبالتالي يمنح نفوذاً لطائفة على حساب الطوائف الأخرى. وهنا السؤال يطرح نفسه: كيف بإمكاننا ان نعالج مسألة إعطاء السيدات اللبنانيات حقهن في تجنيس عائلاتهن دون المساومة على مشروع التوطين؟

‎في البداية ان اتخاذ أي قرار بهذا الشأن لا بد ان يكون مبنياً على صورة واضحة تعكس حال الواقع في ما يخص العدد الحقيقي لأفراد العائلات المعنية بهذا الملف، وبالتالي لا بد من اجراء إحصاءات جديدة شاملة ودقيقة تحدد أولاً عدد افراد عائلات السيدات اللبنانيات المتزوجات من رجال غير لبنانيين، وثانياً عدد افراد عائلات اللبنانيات المتزوجات من فلسطينيين او سوريين. ففي حال ان نسبة عدد افراد عائلات اللبنانيات المتزوجات من رجال فلسطينيين او سوريين قليلة مقابل العدد الإجمالي لكافة افراد العائلات اللبنانيات المتزوجات من غير لبنانيين، يكون قد تم نفي الشائعات التي استغلها السياسيون منذ عقود وهولّوا بها على الشعب اللبناني بأن لبنان يواجه مؤامرة كبيرة من خلال إعطاء هذه العائلات حق الجنسية. اما في حال ان الإحصاءات اثبتت صحية الخطر الديموغرافي فتكون هذه الإحصاءات قد اخرست الابواق

‎التي تسخف ارتباط ملف تجنيس عائلات اللبنانيات بملف التوطين.

اما بالنسبة لمعالجة هذا الملف فإن حله ليس بمعجزة ويحتاج فقط الى نوايا سليمة من أصحاب القرار فيرفضون المقايضة او التجارة او السمسرة مقابل مكاسب مالية شخصية، ويرفضون تكرار مشهد التجنيس الذي تم على يد فريق سياسي ووصف آنذاك بأنه صفقة تجارية.

في النهاية ان معالجة هذا الملف بات ملحاً وان كانت الحلول جزئية ، لذا فلا بد أولاً من اصدار قانون ينص على إعطاء الجنسية اللبنانية لعائلات اللبنانيات باستثناء المتزوجات من رجال فلسطينيين او سوريين. وثانياً اصدار قانون يتعلق بموضوع عائلات السيدات اللبنانيات المتزوجات من رجال فلسطينيين او سوريين ينص على منح إقامة مؤقتة معفاة من الرسوم والضرائب وتجدد كل عشر سنوات مع تطبيق

‎الاستثناءات المتعلقة بصفة اللجوء.

لا يعقل ونحن في القرن الواحد والعشرين ان تكون هكذا قضايا مصدر وجع وذل لألاف النساء واولادهن. هذه القضية ومعها مئات القضايا الشائكة في حياتنا اليومية تحتاج ان تكون اولى المعارك في المجلس النيابي الجديد وليقف الجميع امام مسؤولياتهم.

الكاتبة: رويدا هيكل الخازن